ابن كثير
340
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تفسير سورة الحجرات وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 1 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 ) هذه آيات أدب اللّه تعالى بها عباده المؤمنين ، فيما يعاملون به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام ، فقال تبارك وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي قبله ، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ رضي اللّه عنه حيث قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن : « بم تحكم ؟ » قال : بكتاب اللّه تعالى ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « فإن لم تجد ؟ » قال : بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « فإن لم تجد ؟ » قال رضي اللّه عنه : أجتهد رأيي ، فضرب في صدره وقال « الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما يرضي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » . وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي اللّه ورسوله . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة ، وقال العوفي عنه : نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه ، وقال مجاهد : لا تفتاتوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء حتى يقضي اللّه تعالى على لسانه ، وقال الضحاك : لا تقضوا أمرا دون اللّه ورسوله من شرائع دينكم ، وقال سفيان الثوري لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بقول ولا فعل ، وقال الحسن البصري لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال : لا تدعوا قبل الإمام ، وقال قتادة : ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا كذا وكذا ، لو صنع كذا ، فكره اللّه تعالى ذلك وتقدم فيه وَاتَّقُوا اللَّهَ أي فيما أمركم به إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ أي لأقوالكم عَلِيمٌ بنياتكم . وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ هذا أدب ثان أدب اللّه تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم فوق صوته ، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما .